قبل أن يخرج أيُّ مُنتجٍ إلى النُّور، يمرّ برحلة طويلة من تخطيط، وتجريب، وبناء، ومراجعات… وهلمَّ جرًّا. والخطُّ منتج يُصَمَّم، على سبيل الاختصار الشَّديد، عبر ثلاث مراحل: التَّخطيط، فالتَّصميم، ثم التَّقديم. أمّا الجمهور فعادةً ما يتعرَّف على الخطِّ بترتيبٍ معكوس؛ يلتقي أولًا بصورة الخطِّ مُكتملةً في وسائط تعرضه في سياقاتٍ مختلفة، ثمَّ يلاحظ رسم الحروف وتفاصيل أشكالها، وقد يقوده فضوله بعد ذلك إلى أن يستكشف جذور الفكرة والقصَّة وراء نشأة الخطِّ.
أعني بـ«التَّقديم» تصميم الصُّور والوسائط التي يُعرَض من خلالها المنتج للجمهور. وفي حديثنا عن الخطِّ الطِّباعيِّ كمنتج، فإنَّ التَّقديم بطبيعته قائمٌ على نصوص تُكتَب به، لأنَّ الحرف يُعرَض من خلال كلمات تحتويه. ولهذا فإن تصميم التَّقديم النَّاجح يتطلَّب اختيار نصوصٍ منسَّقة نُلبِس عليها الخطَّ ليظهر في أفضل صورة ممكنة.

إن كان هدف التَّقديم يقتصر على استعراض أشكال الحروف ولا يتعدَّاه، فيمكننا أن نلجأ ببساطة إلى عبارات تُستخدم لهذا الغرض تحديدًا، مثل جُمل «البانغرام». و«البانغرام» عبارة تحتوي على جميع حروف اللُّغة مرَّة واحدة على الأقلِّ، وتُستخدم كأداةٍ لاختبار الخطِّ عند تصميمه، ولعرضه بعد إطلاقه. ولعلَّ من أشهر هذه العبارات في اللُّغة العربيَّة جملة الأبجديِّة: «أبجد هوَّز حطِّي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ».

ومع أنَّ عباراتٍ كـ «البانغرام» ترسم لنا انطباعًا أوليًّا عن شكل الخطِّ وخامته البصريَّة، إلَّا أنَّها كلمات مجرَّدة من السِّياق، والسِّياق يكشف لنا سلوك الخطِّ في استخداماته الفعليِّة. غالبًا يُستحسن أن ننتقي كلماتٍ مُوزَّعة حروفها بتنويعة مألوفة لدى عين القارئ، مثل نصوص تشبه ما نقرأه في حياتنا اليوميَّة. فيمكن أن نستخدم «بانغرامًا» يجمع الحروف ويُظهر تنويع الحروف في نفس الوقت مثل عبارة: «نصّ حكيم له سرّ قاطع وذو شأن عظيم مكتوب على ثوب أخضر ومغلَّف بجلد أزرق» وغيرها.
النُّصوص كلمات، والكلمات معانٍ، والمعاني فرصة لأن نسرد قصَّة الخطِّ بما يشكِّل هويته كمنتج فنِّي بعيدًا عن النُّصوص الجامدة.
حين يحمل النَّص فكرة، يشارك الخطَّ في نقل المحتوى إلى المتلقِّي. ولمّا وجدتُ أن النُّصوص ذات المعاني تُنصِف الحروف أكثر من الجمل الاختباريَّة المجرَّدة، تطرَّقت إلى استخدام الشِّعر العربيِّ؛ ففي القصيدة كلُّ كلمةٍ مُختارة بدقَّة، وكلُّ صُورة بلاغيَّة من استعارة وتشبيه وغيره تزيد الكلمات جمالًا.

والشعر بطبيعته يُقرأ ليُتذوَّق؛ على خلاف النصِّ العاديِّ الذي يُقرأ لينقل معنًى وظيفيًّا. يفرض الإيقاع لحظة تأمُّل تسمح للقارئ بأن يرى الحروف قبل أن يقرأ الكلمات. فالإيقاع يخفِّف سرعة القراءة، واللُّغة الموزونة تجذب الانتباه إلى بناء الكلمات البصريِّ.
كما أنَّ قصائد اللُّغة العربيَّة جزءٌ من ذاكرةٍ ثقافيَّةٍ مشتركة، ومخزونٌ من الصُّور والمشاعر الَّتي يكتنزها القارئ. والخطُّ عندما يُقدَّم من خلال لغة مشتركة، يختصر المسافة بينه وبين المتلقِّي.
أصبحتُ أجمع القصائد بعين المصمِّم؛ فإمَّا تلفتني أبيات شعرٍ بمعانيها، أو بتشكيلتها اللُّغويَّة، أو بتركيزها على حروف وتراكيب معيَّنة. مثلًا قد أركِّز على تنوُّع الحروف تارة لأعرض الخطَّ بشكلٍ عام، أو قد أُفضِّل تارة أبياتًا تركِّز على حروف معيَّنة كالميم النهائيَّة فأختار قصيدة ميميَّة مثلًا. أجمع قصائد كثيفة التَّشكيل، وأخرى كلماتها متوازنة الطُّول، وأخرى غنيَّة بالتَّنقيط والهمزات مثلًا. أستخدم التباين بين الأوزان لإبراز كلمات معيَّنة، أو أضيف أحيانًا رسومات بسيطة تكمل جمال الحروف.

وليس حضور الشِّعر مقتصرًا على مرحلة التَّقديم فقط؛ فأحيانًا أخربش أفكارًا عشوائيَّة لحروف من نصوص يتحوَّل بعضها إلى بذرة لخطٍّ جديد. كثيرًا ما أنطلق من نصٍّ كبيت شعر حضر مؤخَّرًا في ذهني؛ فأستعير من معانيه دلالات بصريَّة أرسمها، فيقود المعنى شكل الحرف، ويرتِّب علاقات الحروف بين بعضها ويتَّجه بي إلى مسارات جديدة في التَّخطيط. فقد يحضر الشِّعر في عمليَّة التَّصميم منذ مراحل الاستلهام مبكِّرًا، أو كنصوص اختباريَّة للخطِّ عند تطويره لاحقًا، وأخيرًا عند العرض كما تطرَّق إليه هذا المقال.

* أرحِّب بجميع الأسئلة والاقتراحات عبر البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي.